0 1

 

بقلم الدكتور / دسوقى شحاته

 خبير واستشارى زراعة الزيتون

بمناسبة انطلاق الدورة الرابعه للمهرجان المصرى للزيتون .

والنسخة الثانيه من مسابقة الاهرام الدوليه للزيتون

دكتور/دسوقى شحاته يكتب لأخبار الاستثمار اليوم

الزيتون المصري بين التحديات والمسئوليات

رغم ما يتمتع به منتج الزيتون وزيت الزيتون من مكانة راسخة في الثقافة الغذائية والصحية عالميًا، لا يزال هذا القطاع الحيوي في مصر يدار بطريقة تقليدية لا تواكب لا التحولات المناخية ولا اشتراطات الأسواق الدولية. فبينما ينظر إلى الزيتون بوصفه محصولًا استراتيجيًا في دول المتوسط، ما زال في مصر حبيس ممارسات زراعية وتجارية وصناعية تفتقر إلى التخطيط طويل المدى والمسؤولية المؤسسية.

لا يمكن إنكار الأهمية الصحية والاقتصادية للزيتون، سواء لارتباطه بالوقاية من أمراض القلب، وتعزيز المناعة، أو لدخوله في صناعات متعددة كالغذاء والتجميل والطب التقليدي. لكن هذه الأهمية لم تنعكس حتى الآن على سياسات واضحة تحمي المنتج المصري وتضمن له موقعًا تنافسيًا مستدامًا في الأسواق العالمية.

تحديات متراكمة… وغياب للرؤية

أولى هذه التحديات تتمثل في تذبذب الإنتاجية، الناتج عن التغيرات المناخية الحادة من جهة، والاعتماد المستمر على ممارسات زراعية تقليدية من جهة أخرى. هذا التذبذب لا يرفع فقط تكلفة الإنتاج، بل يزعزع ثقة المستوردين، ويفتح الباب أمام خسارة أسواق تم بناؤها على مدار سنوات.

ويأتي ملف بقايا المبيدات المحظورة كواحد من أخطر الأزمات، ليس فقط لما يسببه من خسائر اقتصادية مباشرة، بل لما يحمله من تشويه طويل الأمد لسمعة المنتج المصري. فالعالم لم يعد يتسامح مع الأخطاء المتعلقة بسلامة الغذاء، والأسواق الكبرى تغلق أبوابها بسرعة أمام أي منتج يفتقد الالتزام الصارم بالمعايير.

أما غياب آلية عادلة للتسعير، فيكشف خللًا هيكليًا أعمق. فلا توجد جهة رسمية تضبط سوق الزيتون أو تربط أسعاره بالمؤشرات العالمية، ما جعل المحصول رهينة لبعض الوسطاء غير المؤهلين، وأسهم في خلق ممارسات تجارية غير منصفة للمزارع والتاجر والمصنع.

ولا يقل عن ذلك خطورة ضعف منظومة التصنيع، من نقص الكوادر المؤهلة، وتهميش المراكز البحثية العلمية المصرية والعالمية، وغياب المعامل المعتمدة دوليًا لفحص زيت الزيتون. فكيف يمكن الحديث عن منافسة عالمية دون بنية تحتية علمية ورقابية حقيقية؟

المسؤولية المؤسسية: الغائب الحاضر في قطاع الزيتون

رغم تعقيد المشهد الذي يحيط بصناعة الزيتون في مصر، فإن اختزال الأزمة في دور الدولة وحدها يعد طرحًا قاصرًا يتجاهل جوهر المشكلة الحقيقي: غياب المسؤولية المؤسسية داخل القطاع نفسه. فالشركات الزراعية، والمصانع، والكيانات التجارية ليست أطرافًا محايدة أو متلقية للسياسات، بل فاعل رئيسي يتحمل جزءًا أصيلًا من مسؤولية ما آل إليه حال الصناعة.

فالتوعية، على سبيل المثال، لم تعد خيارًا دعائيًا أو نشاطًا هامشيًا، بل التزامًا مؤسسيًا مباشرًا. فالمؤسسة التي تنتج غذاءً تتحمل مسؤولية أخلاقية ومهنية في رفع وعي المستهلك، والتمييز بوضوح بين المنتج المعد وفق أسس علمية سليمة، والمنتج المغشوش أو منخفض الجودة. وبالمثل، لم تعد الشفافية في البيانات، ومصدر الخام، ومعايير الإنتاج أداة تسويق، بل معيارًا أساسيًا لقياس مصداقية المؤسسة ذاتها.

ويكشف الإصرار على زراعة أصناف لا تحظى بطلب حقيقي في الأسواق العالمية، ثم محاولة تمريرها تجاريًا، عن انفصال مؤسسي واضح عن منطق الاقتصاد الزراعي الحديث القائم على دراسات السوق وسلاسل القيمة. فالمسؤولية هنا لا تتعلق فقط بالزراعة، بل بالبحث، والتخطيط، واتخاذ القرار داخل المؤسسة. المطلوب هو أن تُعيد الشركات توجيه استثماراتها نحو الأصناف المطلوبة عالميًا، لا أن تحمل السوق عبء التكيف مع خيارات إنتاج غير مدروسة.

أما الزراعة النظيفة، فهي ليست شعارًا بيئيًا ولا استجابة مؤقتة لاشتراطات التصدير، بل التزام مؤسسي طويل الأمد. فالالتفاف على المعايير، أو التساهل في استخدام المبيدات، قد يحقق ربحًا قصير الأجل، لكنه يدمر سمعة المؤسسة والقطاع ككل على المدى المتوسط والبعيد. ويوازي ذلك أهمية الاستثمار الجاد في تقنيات الفرز، والتحجيم، والتعبئة الحديثة، باعتبارها جزءًا من المسؤولية الإنتاجية، لا مجرد تكلفة إضافية يمكن تجاهلها.

لذلك لا يمكن لصناعة الزيتون أن تنهض دون مؤسسات تدرك أن دورها يتجاوز الإنتاج والبيع، ليشمل المسؤولية عن الجودة، والمعرفة، والاستدامة. فغياب هذه الرؤية المؤسسية هو التحدي الأعمق الذي يواجه القطاع اليوم، وهو في الوقت ذاته مفتاح الفرصة الضائعة.

في النهاية.. بين التحدي والفرصة

يقف قطاع الزيتون في مصر اليوم أمام اختبار حقيقي: إما الاستمرار في إدارة صناعة واعدة بأدوات قديمة، أو التحول إلى نموذج احترافي يدمج بين العلم، والسوق، والمسؤولية.

فالزيتون المصري يملك كل المقومات ليكون سفيرًا للزراعة المصرية في العالم، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تحولت الجودة من شعار إلى ممارسة، والشفافية من استثناء إلى قاعدة، والتخطيط من رد فعل إلى رؤية.

الفرصة ما زالت قائمة… لكن الزمن لا ينتظر.

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.